ابن الجوزي

242

صفة الصفوة

قال : وقالت له يوما آخر : ضيغم ! قال : لبّيك يا أمّاه . قالت : تحب الموت ؟ قال : لا أماه . قالت : لم يا بني ؟ قال : لكثرة تفريطي وغفلتي عن نفسي ، قال : فبكت العجوز وبكى ضيغم واجتمع أهل الدار وجعلوا يبكون ، وكانت أمه عربية كأنها من أهل البادية . مالك بن ضيغم قال : حدثني الحكم بن نوح قال : بكى أبوك ليلة من أول الليل إلى آخره لم يسجد فيها سجدة ولم يركع فيها ركعة ونحن معه في البحر ، فلما أصبحنا قلنا : يا مالك لقد طالت ليلتك لا مصلّيا ولا داعيا ، قال : فبكى ثم قال : لو يعلم الخلائق ما يستقبلون غدا ما لذّوا بعيش أبدا ، واللّه إني لما رأيت الليل وهوله وشدّة سواده ذكرت به الموقف وشدّة الأمر هناك ، وكل امرئ يومئذ تهمّه نفسه : و لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً [ سورة لقمان آية 33 ] قال : ثم شهق ولم يزل يضطرب ما شاء اللّه . مالك بن ضيغم قال : حدثتني خالتي حبابة بنت ميمون العتكيّة قالت : رأيت أباك ضيغما نزل ذات ليلة من فوق البيت بكوز وقد برّد له حتى صبه ثم اكتاز من الحبّ « 1 » ماء حارا فشرب فقلت له بعد ذلك : بأبي أنت قد رأيت الذي صنعت فممّ ذاك ؟ قال : حانت مني مرة نظرة إلى امرأة فجعلت على نفسي أن لا تذوق الماء البارد أيام الدنيا . فقلت : أنغص عليها الحياة . محمد بن مالك بن ضيغم قال : حدثني مولانا أبو أيوب قال : قال لي أبو مالك يوما : يا أبا أيوب احذر نفسك على نفسك فإني رأيت هموم المؤمنين في الدنيا لا تنقضي ، وأيم اللّه لئن لم تأت الآخرة المؤمن بالسرور لقد اجتمع عليه الأمران : همّ الدنيا وشقاء الآخرة . قال قلت : بأبي أنت وكيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو ينصب « 2 » للّه في دار الدنيا ويدأب ؟ قال : يا أبا أيوب فكيف بالقبول وكيف بالسلامة ؟ ثم قال : كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه ، قد أصلح قربانه ، قد أصلح همّته ، قد أصلح عمله ، يجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به وجهه .

--> ( 1 ) اكتاز الماء أي اغترفه بالكوز ، والحب بضم الحاء ، الجرة الكبيرة . ( 2 ) أي يتعب .